اهدنا دعاء ورغبة من المربوب إلى الرب؛ والمعنى: دلنا على الصراط المستقيم وأرشدنا إليه، وأرنا طريق هدايتك الموصلة إلى أنسك وقُرْبك فقال له رسول الله «صلى الله عليه وآله»: قل: لا إله إلاّ الله، فقالها، فقال له النبي «صلى الله عليه وآله»: ما ترى؟ قال: أرى رجلًا أسود الوجه، قبيح المنظر، وسخ الثياب، نتن الريح قد وليني الساعة وأخذ بكظمي، فقال له النبي «صلى الله عليه وآله»: قل يا من يقبل اليسير، ويعفو عن الكثير، أقبل مني اليسير، واعف عني الكثير، إنك أنت الغفور الرحيم
ولكل مرتبةٍ من هذه المراتب صاحب ينتحيها، وطالب يستدعيها، والمطلوب إما زيادتُها كما في قوله تعالى: وإما الثباتُ عليها كما روي عن علي وأبي رضي الله عنهما: إهدنا ثبّتنا، ولفظ الهداية على الوجه الأخير مَجاز قطعًا، وأما على الأول فإن اعتُبر مفهومُ الزيادة داخلًا في المعنى المستعمل فيه كان مجازًا أيضًا، وإن اعتُبر خارجًا عنه مدلولًا عليه بالقرائنِ كان حقيقة، لأن الهداية الزائدةَ هداية، كما أن العبادة الزائدةَ عبادة، فلا يلزم الجمعُ بين الحقيقة والمجاز، وقرئ أرشِدْنا، والصراطُ الجادةُ وأصلُه السين، قُلبت صادًا لمكان الطاء كمصيطر في مسيطر، من سَرَط الشيء إذا ابتلعه، سُمّيت به لأنها تسترِطُ السابلةَ إذا سلكوها، كما سميت لَقْمًا لأنها تلتقمهم وقد تُشَمُّ الصاد صوت الزاي تحريًا للقرب من المبدَل منه إذاً أول شيء: السلامة، ثاني شيء: السعادة، وكل إنسان مجبول على حب سلامة وجوده، وكمال وجوده، واستمرار وجوده، الاستمرار يأتي أنك حينما ربيت أولادك تربية صحيحة كانوا استمراراً لك

ومن أمثلتها في المخلوقات ما في النمل، تلك الحشرة الصغيرة، فقد أودع الله فيها من هذه الهداية ما يدفع بالإنسان إلى العجب، فهي تدّخر قوت الشتاء من الصيف، فتقوم في فصل الصيف بجمع الغذاء وادّخاره إلى فصل الشتاء وذلك لصعوبة حصولها على الغذاء في هذا الفصل، وأنّ الواحدة منها إذا عجزت عن نقل وحمل شيء انصرفت وأفهمت جماعتها، فتتعاون على نقله كما يتعاون البشر فيما بينهم على نقل الشيء الثقيل، وإذا خافت على طعامها الذي تدّخره في جحورها ومساكنها العفونة أخرجته ونشرته على وجه الأرض، وربما اختارت الليل لذلك لأنّه أحفظ لها من أنْ يتعرّض طعامها للأخذ والسرقة من الحشرات والزّواحف والحيوانات الأخرى، وأنّها إذا خافت على البذور التي تجمعها وتدّخرها لغذائها الإنبات قسمتها إلى قسمين كي لا تنبت، وإذا كانت البذور من النوع الذي ينبت لو قسمت إلى قسمين فإنّها تقسمها إلى أربعة أقسام، فكل ذلك يرشدها إليه ما أودعه الله سبحانه وتعالى فيها من غرائز وغيرها مما يرتبط بالهداية التكوينية التي زوّد الله سبحانه وتعالى بها النمل.

24
أنواع الهداية
وَيَقْرُنُ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى وَيَقُولُ « أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ وَخَيْرُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّد ٍ وَشَرُّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ »
أنواع الهداية
قال لها: أرضي عنه، قالت: رضي الله عنه يا رسول الله برضاك عنه
أنواع الهداية
اقتران اسمه سبحانه الهادي باسمه سبحانه النصير : جاء ذلك في قوله تعالى: { وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا…
وكان يقول: اللَّهمَّ إني أسألك الهُدى والتُّقى والعَفَافَ والغنى 2 والله تعالى خلق كل مخلوق وهداه لطريقة معاشه ولا يستطيع أحد أن يدّعي أن الله تعالى لم يهده لطريقة معاشه فنرى الطيور تهاجر من بلد إلى آخر على شكل أسراب منتظمة في مواسم معينة فمن الذي هداها لطريقها؟ الله تعالى سبحانه وضع الموجِّه في عقول هذه الطيور
فبتمادي العبد في المعصية تتسع في قلبه تلك النكتة السوداء التي أحدثتها أول معصية ارتكبها، وتأخذ في الاتساع إلى أن تعمّ القلب بكلّه وتغطيه بالتّمام فيكون قلبًا قاسيًا جامدًا خاليًا من الإيمان وهذا هو الرّين الذي أشارت إليه الآية الكريمة ثالثًا: سعي المؤمن إلى أن يكون هاديًا إلى الله — عز وجل — وإلى صراطه المستقيم وذلك بنشر العلم والدعوة إلى الله سبحانه، وإرشاد الناس إلى الحق، وتحذيرهم من الباطل الذي يؤول بهم إلى سخط الله وعذابه

والأمر والدعاء يتشاركان لفظًا ومعنى ويتفاوتان بالاستعلاء والتسفل، وقيل: بالرتبة.

6
الدرس : 32
وقرأ زيد بن علي، والضحاك، ونصر بن علي، عن الحسن: اهدنا صراطًا مستقيمًا، بالتنوين من غير لام التعريف، كقوله: استقام: استفعل بمعنى الفعل المجرد من الزوائد، وهذا أحد معاني استفعل، وهو أن يكون بمعنى الفعل المجرد، وهو قام، والقيام هو الانتصاب والاستواء من غير اعوجاج
ما هي انواع الهداية
وقال أبو بكر بن مجاهد، وهذه القراءة تشير إلى أن قراءة من قرأ بين الزاي والصاد تكلف حرف بين حرفين، وذلك صعب على اللسان، وليس بحرف ينبني عليه الكلام، ولا هو من حروف المعجم
انواع الهداية
قَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ رضى الله عنهما عَلَّمَنِى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِى الْوِتْرِ قَالَ ابْنُ جَوَّاسٍ فِى قُنُوتِ الْوِتْرِ « اللَّهُمَّ اهْدِنِى فِيمَنْ هَدَيْتَ وَعَافِنِى فِيمَنْ عَافَيْتَ وَتَوَلَّنِى فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ وَبَارِكْ لِى فِيمَا أَعْطَيْتَ وَقِنِى شَرَّ مَا قَضَيْتَ إِنَّكَ تَقْضِى وَلاَ يُقْضَى عَلَيْكَ وَإِنَّهُ لاَ يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ وَلاَ يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ »